عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
220
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
شروط قيامها في الإنسان : طلوع شمس شهوده من مغرب وجوده ، وذلك عبارة عن الباطن الكشفي وهو تحقق اطلاعه على السرّ الكتمي ، فيعلم حينئذ ما هو ومن هو ويتحقق بأوصافه ويتمتع في جنة أعرافه ، فيحلّ الرموز ويستخرج منها الكنوز ، ويعرف الألغاز ويفوز باللّه مع من فاز ، فحينئذ طوى عنه بساط الوصل والفصل وليس للإيمان هناك نفع ، إذ حكمه من قبل ، لأن الإيمان لا يكون إلا فيما غاب ويرتفع حكمه برفع الحجاب ، فلا يقبل توبة ولا تغفر حوبة ، لأن الذهب والغفران مقام محله الاثنان ، والأحد في أحديته منزّه عن الذنب وغفريته ، فهذه شروط الساعة الصغرى مقابلة لشروط الساعة الكبرى . وقد عبر الإمام محيي الدين ابن عربي عن تلك العبارات وقابلها بما يقابلها من باب الإشارات ، فجعل مقابلة طلوع الشمس من المغرب رجوع الروح إلى المركز الأول والمنصب ، وذلك عبارة عن الممات وانتقال الأمر إلى الآخرة بحكم الوفاة ، وجعل مقابلة إغلاق باب التوبة هو أن المغرغر لا تقبل له توبة ولا تغفر له حوبة ، وأيد ذلك بما قيل أن بين البابين تسعين عاما ، وأنها تقابل الأعمار قياسا ونظاما ، وما ذكره هذا الإمام فمقبول ، وعلى أحسن وجوهه فمحمول ، ولكنا لما كنا بصدد بيان أشراط الساعة الصغرى المختصة بالإنسان في أيام بقائه في هذه الدار ، لم نذهب إلى ذكر غيره خوفا من هتك الأستار ، على أنا قد رمزنا في ذلك جميع الأسرار ، ولم نترك أمرا لم ننبه عليه في هذا الكتاب . واللّه يقول الحق وهو يهدي الصواب . [ فصل ] : نذكر فيه طرفا من ذكر الموت ، إذ قد سبق بيانه في الباب الرابع والخمسين من هذا الكتاب فيطالع فيه . اعلم أن الموت عبارة عن خمود النار الغريزية التي يكون بها سبب الحياة في دار الدنيا ، وتلك الحياة عبارة عن نظر الأرواح إلى نفسها في الهياكل الصورية والمناسب لذلك النظر في هذه الهياكل الصورية هي الحرارة الغريزية ما دامت على حكم الاعتدال الطبيعي ، وهو أعني اعتدال الحرارة كونها مستوية في الدرجة الرابعة ، لأن انصرافها في الدرجة الأولى هو قوة الحرارة العنصرية هي تلك الدرجة لا تقبل المزاج بركن آخر من أركان العناصر ، فهي هناك آخذة في حدّها من الانتهاء ، وأشباهها في الدرجة الثانية هي الحرارة النارية القابلة للامتزاج ، ولولا امتزاجها ببقية الأركان لم يكن للنار وجود ، لأن كل واحد من النار والماء والهواء والتراب مركب من العناصر الأربعة التي هي الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة ، ولكن كل ما غلب